ابن فرحون

43

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

ثم خلفه في المشيخة : [ « 6 » عز الدين دينار . ] فكان - رحمه اللّه - ذا حشمة ، ودين ، وعزة وحسن يقين ، صحب المشايخ الكبار من المجاورين ، فتأدب بآدابهم ، واكتسب من أخلاقهم ، فلزم قراءة القرآن ، وجاهد نفسه بالصيام والقيام والصدقة والإحسان ، وأوقف أملاكا ما بين نخيل ودور ، وأعتق خدما وعبيدا وإماء يزيد عددهم على الثلاثين ، وعلق من خدامه في الحرم سبعة ، وكفل أيتاما وحرما ، ونعمهم بالمأكل ، والملبس ، والمسكن حتى كانوا يعدون من عياله ، وله مناقب جليلة ، ومحاسن عديدة . منها : أنه لما سافر إلى الديار المصرية استخلف على بيته وأمواله بعض أصدقائه من المجاورين ، وكان في البيت إماء وعبيد وخدام ، فاستأمنهم الوكيل وظن أنهم لا يتفقون على الخيانة فخربوا البيت ، وضيعوا أكثر ما فيه ، فلما قدم الشيخ عز الدين من مصر ، فقد ما خلفه في بيته فسأله عنه ، فقال : لا علم لي بشيء ، غير أني كنت أخرج لهم نفقتهم ، وأصرف عليهم ما يحتاجون إليه ، ولا أعلم من حالهم شيئا ، ولم أظن فيهم أنهم يتواطئون على الخيانة ، فحاسبه على ما خلفه في بيته ، فوجدوه قد نقص مقدار أربعة وعشرين ألف درهم . فقال له : هذه لازمة لك بحكم الشرع ؛ لأنك فرطت فيما وكلتك فيه . فقال : نعم ، ألتزم بها وأقوم بأدائها ، فتقوم من أملاكي ونخيلي ما شئت ، فخلا الشيخ بأصحابه وشاورهم في ذلك ، فقالوا له : المفرط أولى بالخسارة .

--> ( 6 ) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 2 / 40 والدرر الكامنة 2 / 103